أبي منصور الماتريدي

244

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يحتمل وجهين : أحدهما : اذكرني عند ربك ؛ لعلي حبست بلا علم منه وبغير أمره ؛ لأن تلك المرأة هي التي أوعدت له السجن ؛ فوقع عنده أنها هي التي احتالت في « 1 » حبسه ؛ فقال لذلك ما قال . والثاني : يقول : اذكرني بالذي رأيت مني وسمعت ؛ لأنه دعاهما في السجن إلى التوحيد ؛ حيث قال : أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ . وقوله - عزّ وجل - : فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ . قال بعض أهل التأويل : أنسى الشيطان يوسف دعاء ربه الذي أنشأه وخلقه ؛ فلم يدع ربه الذي هو في الحقيقة ربّ « 2 » . وقال بعضهم : قوله : فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ الذي قال له يوسف : اذكرني عند ربك ذكر ربه ، وهذا أشبه ، والأوّل بعيد ؛ لأنه قال في آخره : وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [ يوسف : 45 ] ، أي : بعد حين أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ [ يوسف : 45 ] دل هذا أنه إنما أنسى الشيطان على ذلك الرجل فلم يذكره عنده حينا . وقال بعضهم : لم ينسه الشيطان ، ولكن تركه عمدا ؛ لم يذكره عنده ؛ لعله يتذكر ما تقدم من المقال فيزداد غضبا عليه ، فتركه عمدا إلى أن جاء وقته - والله أعلم - وأضاف الإنساء إلى الشيطان ، وكذلك قال موسى : وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ [ الكهف : 63 ] ، فهو - والله أعلم - لأن بدء كل شرّ يكون من الشيطان ؛ لأنه يخطر بباله ويقذف في قلبه ويوسوسه ، ثم يكون من العبد العزيمة على ذلك والفعل ، وفائدة النسيان - والله أعلم - هو أن الله تعالى أراد أن يظهر آية رسالته وحجة نبوته ؛ بكونه في السجن ويظهر براءته في شأن تلك المرأة بشهادة أولئك النسوان ، وذلك علم الأحاديث التي ذكر والرؤيا التي عبرها . وقوله - عزّ وجل - : فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ . قال بعضهم : خمس سنين . وقال بعضهم : سبع سنين « 3 » ؛ ونحو ذلك .

--> ( 1 ) في أ : على . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 221 ) ( 19325 ) عن مجاهد ، وذكره السيوطي في الدر ( 4 / 37 ) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 222 ) عن كل من : قتادة ( 19330 ، 19331 ) ، ووهب بن منبه ( 19332 ) ، وابن جريج ( 19333 ) . وذكره السيوطي في الدر ( 4 / 38 ) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وأبي الشيخ عن قتادة ، ولعبد الرزاق وأحمد في الزهد ، وابن المنذر وأبي الشيخ عن وهب بن منبه ، ولابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش عن الكلبي ، ولأبى الشيخ عن قتادة .